اخر الأخبار

فيروس كورونا والنظام العالمي

عادل سليمان
الخميس ، ٢٦ مارس ٢٠٢٠ الساعة ١١:٠٦ مساءً

بعيداً عن أحاديث المؤامرة ونظرياتها التي أحاطت بظهور فيروس كورونا، فإنه تحول، في أيام وأسابيع قليلة، إلى جائحة عمّت العالم كله، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. ولا يزال يسقط مئات آلاف من البشر في براثن الفيروس الخبيث، كما قضى عشرات الآلاف نحبهم. لم يفرق الفيروس بين عالم أول وعالم ثالث، ولا بين أغنياء وفقراء، ولا بين أبيض وأسود وأصفر، ولا بين مؤمنين وغيرهم. 

بعيداً عن ذلك كله، جاء ذلك الفيروس وتلك الجائحة كاشفين عن عورات النظام العالمي الذي تعيش فيه البشرية منذ عقود، وبالتحديد منذ سقط حائط برلين، وتبعه سقوط الاتحاد السوڤييتي، وانهيار النظام العالمي الذي كان قائماً على ثنائية الأقطاب، وتوازن القوى، وذلك مع نهايات القرن العشرين، ودخول العالم في الألفية الثالثة، وصعود الولايات المتحدة الأميركية قوة عظمى منفردة بقمة العالم، وسعيها إلى إقامة النظام العالمي الجديد على أساس توازن المصالح، وليس فقط توازن القوى. ماذا جرى للعالم في ظل ذلك النظام قرابة ثلاثة عقود؟ عمّت العالم حالة من الفوضى  

والصراعات والحروب، ودخل في سباق رهيب حول التسلّح. تتسابق الدول المتقدمة في الإنتاج، والدول المتخلفة تتسابق في الشراء. في ظل ذلك النظام العالمي شهدت شعوب العالم الثالث، خصوصا شعوب الشرق الأوسط، أكثر من مأساة إنسانية، لعل أكثرها وضوحاً ما يجري للشعب السوري الذي سقط منه أكثر من 380 ألف قتيل، على يد نظام بشار الأسد، طبقاً لتقديرات الهيئات الدولية، إضافة إلى مئات آلاف من المصابين وأكثر من أربعة ملايين لاجئ ونازح. وأيضاً ما يجري للشعب اليمني الذي يشهد مأساة إنسانية لا تقل بشاعة، في حرب عبثية تجاوزت الخمس سنوات، وسقط فيها مئات آلاف من الضحايا. وقمة ما حدث ويحدث في العراق، وفي أفغانستان، وما يجري بشكل ممنهج في فلسطين، وغير ذلك كثير. لم يحرّك ذلك كله ساكناً في النظام العالمي، وبقي العالم مشغولاً بالسباق نحو تحقيق أقصى قدر من المصالح. وفي ظل ذلك السباق، سقطت كل القيم الإنسانية، وأصبحت العلاقات بين الدول تحكمها المصالح. للأسف ليس مصالح الشعوب، وإنما مصالح نُظم الحكم، وأصحاب السلطة والنفوذ. وتحول العالم ليس إلى قرية صغيرة، كما كانت أميركا تروّج نظامها العالمي الجديد، ولكن إلى جزر متباينة المستوى في كل شيء، من التعليم إلى الاقتصاد إلى الصحة. وهكذا تحول العالم إلى الدول السبع الأكبر، والدول العشرين الأغنى، وباقي العالم مشغول في صراعاته، واقتتاله الداخلي من أجل العروش وكراسي الحكم. في هذه الأجواء المخيمة على العالم ونظامه، جاء فيروس كورونا (أو كوفيد 19) ليضرب العالم كله بما في ذلك السبع الأكبر، والعشرين الكبار، وباقي الدول من غير الكبار، وانكشف النظام العالمي، فلم تُجدِ القاذفات، ولا منظومات الصواريخ، ولا الغواصات النووية، وكل ما تحويه ترسانات الأسلحة لدول العالم الأول. ولم تكن هناك جدوى لمليارات النفط والغاز، في التصدي لذلك الفيروس، متناهي الصغر الذي يضرب كل أنحاء المعمورة. وغاب النظام العالمي، وتوارى القطب الأوحد، وانتهى توازن المصالح، وبدأ يظهر على السطح  

أسوأ ما في البشرية من خُلق، تنافس محموم بين كل الدول في البحث عن لقاح أو مصل، أو عقار للعلاج، من دون تعاون أو تنسيق، ووصل الأمر بالدولة الأكبر، أميركا، إلى محاولة الاستحواذ على أبحاث شركة ألمانية واحتكارها، بل وصلت البشرية إلى ما هو أسوأ، على مستوى الدول، عندما استولت تشيكيا على شحنة مساعدات طبية كانت في طريقها إلى إيطاليا، ثم عندما استولت إيطاليا على شحنة مساعدات طبية كانت مرسلة إلى تركيا. وعلى مستوى الأفراد، بلغ الهلع بالمواطنين الأميركان، وخوفهم من تداعي الموقف اجتماعيا، الإقبال على شراء الأسلحة والذخائر، بمعدلات تجاوزت 350%. ووقفت نُظم الحكم عاجزة، حتى لجأ الحكام في الدول، كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، إلى التضرّع إلى الله، مطالبين شعوبهم بالدعاء. يبقى أن نسأل الله أن يكشف الغمّة، ويرفع البلاء. ولكن هل ستفيق البشرية على الدرس؟ هل ستدرك الشعوب أن عليها أن تُقيم بنفسها نُظم الحكم التي ترعى مصالحها، بعيداً عن أوهام توازنات القوة وتوازنات المصالح؟ هل ستسعى البشرية إلى إقامة نظام عالمي، يرتكز على القيم الإنسانية والتعاون؟ أم ستعود البشرية إلى سابق عهدها فور انتهاء الجائحة؟