اخر الأخبار

بين الفن والواقع

رشا عمران
الاثنين ، ٣٠ مارس ٢٠٢٠ الساعة ٠١:٤٢ صباحاً

شاب يعمل في صالة سينما في اليابان، يعشق السينما، مهووس بممثلة كانت من جميلات السينما اليابانية زمن الأبيض والأسود، كان يدفع أجرته في العمل لصاحب السينما ليدعه يدير شريط فيلم من أفلامها، وهو جالس في الصالة وحده، كما لو أنها تمثّل له خصيصاً. ذات يوم، وهو يتابع وحده في الصالة أحد أفلامها بشغف، حدث ما لم يكن يتوقعه، خرجت الممثلة (بالأبيض والأسود) من الشاشة، واقتربت منه، وأخبرته بأنها تريد أن تشاهد العالم الملوّن، العالم خارج الشاشة، وطلبت منه أن يكون دليلها إليه، وتذهب معه في رحلة اكتشاف العالم الملوّن: لون الصباح، لونا القمر والليل، ألوان البشر، الثياب، الفاكهة والخضروات، الحيوانات، البساتين والشجر والأزهار، الطيور، الشوارع والبيوت.. ألوان وألوان بكل تدّرجاتها وتنوّعها واختلافاتها، تراها الممثلة الخارجة من شاشة الأبيض والأسود، والتي وقعت في غرام عامل السينما الذي يحلم أن يصنع فيلمه الخاص ذات يوم.

بدأ الحب الذي نشأ بين الاثنين يحوّل لون الممثلة المحايد (أبيض وأسود) إلى الألوان الأخرى، وتقرّر عدم العودة إلى الشاشة، والبقاء للعيش مع الشاب في مسكنه. لكنهما يكتشفان معاً أن التواصل الجسدي بينهما سوف يجعلها تختفي من الحياة الحقيقية، وتعود إلى السينما، فيخترعان وسائل للتواصل من دون أية ملامسة جسدية، حتى بالأيدي. يمشيان معاً ويمسك كل منهما بطرف منديل، وكأنهما يمسكان بيدي بعض. وحين يتبادلان القبل، يقف كل منهما خلف لوحٍ سميكٍ من الزجاج، ويضعان شفاههما في المكان ذاته، وعلى لوح البلور يتصاعد لهاث أنفاسهما في الوقت نفسه، محتلاً المسافة ذاتها. يمضي الزمن عليهما وهما على الحال ذاته، يكبر الشاب ويصبح عجوزاً، بينما تبقى هي شابّة جميلة، كما يوم خروجها من الشاشة، الفرق فقط أنها أصبحت ملوّنة. ينتهي الفيلم الياباني "color me true"، للمخرج هيديكي تاكوشي، في مشهدٍ في مستشفى فخم، وممرّضة تسأل مريضاً عجوزاً عن رزمة أوراق أمامه، فيخبرها بأنها سيناريو فيلم كتبه ولم يعرف كيف ينهيه. تنتقل الكاميرا إلى الممرّضة، وهي تحدّث زميلاتها عن الكاتب العجوز الذي سقط أرضاً، وهو برفقة حفيدته التي لم تلمسه لتقيه من السقوط. بعد قليل، نعود إلى غرفة العجوز، وهو مستلقٍ على السرير يحتضر، بينما الممثلة القديمة الشابّة تقترب منه، وتقبّله على فمه قبلتها الأولى والأخيرة، ونشاهد الألوان تنسحب منها شيئاً فشيئاً، قبل أن تختفي عائدةً إلى الشاشة بالأبيض والأسود، بينما العجوز الذي أنهى كتابة فيلمه يفارق الحياة في اللحظة نفسها. عُرض الفيلم عام 2018. كان البشر يعيشون حياتهم الطبيعية، يتجمّعون ويتسامرون ويحبّون، ويمارسون الجنس، وينجبون الأطفال، ويسهرون في المناسبات العائلية والمناسبات العامة، يدرسون ويعملون ويترفّهون، ويذهبون إلى دور السينما والمسارح، يسافرون من مكان إلى آخر (شاهدت الفيلم سنة ظهوره، وأنا عائدة في الطائرة من النمسا إلى مصر). كانت الحياة عادية، قبل زمن الحجر الصحي الذي فرضه على البشرية فيروس أصغر حجماً حتى من الميكروب. لم أتخيّل، وأنا أشاهد الفيلم، أن البشرية سوف تصل إلى مرحلةٍ شبيهةٍ بأحداثه في علاقات البشر العاطفية والإنسانية، حيث يصبح التلاحم الجسدي سبباً في اختفاء البشر، فالمصافحة باليد قد تنقل الفيروس من شخص إلى آخر، فكيف بالعناق أو بالقبلات الحميمة، وليس فقط بين الأزواج وشركاء الحب، بل حتى بين الإخوة والأصدقاء والآباء والأبناء، خصوصاً أننا في الإفصاح عن عواطفنا نعود إلى أصولنا الأولى، حيث الملامسة والتقارب الجسدي طريقة التعبير الوحيدة عن الرغبات والعواطف، قبل اكتشاف اللغة والكلام. ماذا لو ظل الفيروس منتشراً مدة أطول من المتوقع له؟ ماذا لو لم يتم اكتشاف علاج سريع يقضي عليه وينقذ البشرية؟ هل سيخترع البشر أشكالاً للتواصل الجسدي على طريقة المخرج هيدكي تاكوشي في فيلمه الفاتن، كي لا تختفي الحميمية والدفء بينهم؟ لا يكتفي الدفء الإنساني باللغة، سيختفي شيئاً فشيئاً إن لم تقترب الأجساد بقدر اقتراب الأرواح والأفكار. لم أشعر في حياتي بأنني أحتاج إلى أن أضمّ أحبائي إلى صدري وأعانقهم وأشمّ روائحهم كما هي حاجتي هذه الفترة. وأظن أنها اليوم حاجة جمعية، فالإنسانية كلها في أكثر لحظاتها ضعفاً وهشاشة، ويا للمفارقة، العناق نفسه سيكون سبباً مباشراً للفقد! أتذكّر الفيلم الياباني هذه الأيام، وأفكّر في الفن وهو يخرج من شاشة سينما أو من قصيدة أو رواية أو لوحة أو مقطوعة موسيقية ليصبح واقعاً.