اخر الأخبار

لحظاتٌ هانئة

نجوى بركات
الثلاثاء ، ١٤ ابريل ٢٠٢٠ الساعة ١١:١٧ مساءً

لخروج إلى الشرفة والجلوس في الشمس. الخروج من قبر. الدفء والهواء، وتلك الأبنية البعيدة المتباعدة التي لا تقمع النظرَ، ولا تتطاول على الفضاء المفروش أمامك. تضع الكرسي في الوسط، وتجلس مخفض الرأس، مغمض العينين. هو الربيع، الشجيراتُ المورقة أسفل الأبنية تشي بذلك، وكذلك أصيصُ النبات من حولك، وقد اخضرّ مع التماعةٍ خفيفةٍ هي خاصيّة هذا الفصل الهمّام. امتزاج البرودة بالفتورة، والضوء بالغيم النفناف. نحن أيضا كالنبات، ينبغي لنا أن نخرج من الشتاء، نزيح الترابَ من فوق رؤوسنا ومسامنا ونعود من جديد. النبات كائنٌ حيّ، نحن أيضا.

القطّة التي تموء وتتثاءب فوق الأسطح. سأنظر إليها مليّا، وسوف أتمطّى وأموء مثلها تماما، كسلا ولذةً ومتعةً. هي ليست أفضل مني، من حقّي أيضا ألا أفكّر بشيء. لا أفكّر بشيء. لا أخاف من شيء. أحيا لحظتي هذه، وأنزع حوافَها عنها كما تُنزع أجنحة الذُباب. أقطع حوافي اللحظة، فلا يبقى ما يحدّها. لحظة منبسطة بلا حدود، لا نهائية، من غير ماضٍ ولا مستقبل، تستمرّ من أوّلها إلى آخرها بدرجة السهولة نفسها، بالانبساط نفسه، تسير كقطارٍ بعددٍ لا متناهٍ من مقطوراتٍ متشابهةٍ لا يمكن التمييز في ما بينها. هذا النهار المشمس الجميل خُلق خصيصا لخدمة جلالها، لتعزيز ديمومتها، والسهر على قوّة دفقها.

الوقتُ يدفق كماء يسيل بالوتيرة نفسها. حصاةٌ ما تخلق الحدث، الحدث يُربك سطحَ المياه. كِبـَرُ الحصاة وقوتُها يحدّدان مبلغَ ارتباك المياه واضطرابها. الوقت، على غير عادته، متوقّفٌ منذ أسابيع، ماؤه آسن، وفي المستنقعات الصغيرة التي تكوّنت من حولنا، يخيّم صمتٌ من فولاذ. الصمت الفولاذي ليس مضادّا للضّجيج، بل هو أقوى منه. إنه يأكل كلّ الأصوات، فلا نقيق ضفادع، ولا غناء عصافير، ولا نفخ ريحٍ في الأغصان، لا أولاد، لا أسماك. ماذا لو وضعتُ سمّاعتَي الخلويّ في أذني، وأصغيتُ لموسيقى جميلة؟ لكن، أيّها سأختار؟ لا بأس، لا يحتاج هذا الصّباح الجميل حيرةً. ندعُ المذياعَ يفاجئنا بأغنيةٍ جميلة. لكن، ماذا لو لم تكن الأغنيةُ جميلةً فأهدرتِ اللحظةَ وانتهكت المزاجَ، فبرقت وأرعدت وانهارت جبالٌ، وعمّ الأرضَ غضبٌ عظيم؟

نباحُ كلبٍ بعيد. كلبٌ صغيرٌ ولا ريب، ووحيد بعد أن تخلّى أصحابُه عنه. يتركون حيواناتهم الأليفة خوفاً من الوباء. يُطلقونها في الطرقات، فتتجمّع لتتسامر ليلا في أحوال البشر. أنزع اللّيلَ من رأسي، لم يأتِ أوانُه بعد. هذي الأيام، أفكّر كثيراً بالموت. لا أتمنّاه ولا أخشاه، إنما أفكّر به. كنت قد بدأت قراءة "موت في البندقية" من جديد. تادزيو. الشاب المراهق الجميل الذي سيقضي، بشبابه وجماله الأخّاذ، على الشاعر الهارب إلى البندقية للاستجمام. الشاعر لن يموت وحيدا، بل المدينة كلّها يتآكلها الطاعون.

البندقية التي ستؤول يوما إلى الزوال مصابة بالوباء. الطاعون. الجمال القاتل، الحبّ والشيخوخة، قوة الجمال وقوة الموت. فيسكونتي يُضيف إلى هذا كله وقد استبدل الشاعرَ بموسيقيّ. الفنّ والموت. الفنّ والجمال. والحبّ المستحيل. في مطلع الفيلم، السفينة التي تقطع الشاشة من يمينها إلى يسارها تتقدّم ببطء فظيع، يوازي مضيّ الزمن. ثمّة ما يخلع القلب عند قراءة القصّة، وما يعصره عند رؤية الفيلم. القصة والفيلم يتخاطبان، يتكاملان. 

كتابة بالقلم وكتابة موازية بالصورة. ياه، حينما يبلغ الجمالُ ذروةً من ذراه، حين لا يعود يُحتمل، لا يمكن إلا أن يكون الموت.

لا أجد القطّة حيث تركتها. لا بد أنها قد بدأت البحثَ عن صيدها. مفعول الربيع يتراجع. لا أعرف كيف أُبقيه حاضرًا فيّ. لا أعرف كيف أتعلّق بخيوط الشّمس الدّافئة أو بأمواج النّسمات. لا تغادر، أيها الإحساس الهانئ، دُم قليلا بعد. بالكاد شعرتُ بمذاقك، بالكاد استمتعت...