اخر الأخبار

كتابة على جدار الحجر

عائشة بلحاج
الاثنين ، ٢٠ ابريل ٢٠٢٠ الساعة ٠٦:٢٠ صباحاً

 

تَحت الحَجْر، كلمةٌ ثقيلة الوزن، عميقةُ الأثر على ثُلثي سكان الأرض الذين كانوا يسمعون عن المحجور عليهم، من المجانين، وأصحاب الأمراض المنقولة. كما يسمعون عن الخنازير البرّية: تسرحُ قريبًا في عُمق الغابات المجاورة، لكن معظمهم لم يجد نفسه أمامها يومًا، ولن يفعل. ومنذ أيّام دخلت مجموعةٌ منها شوارع مدينة إيفران الجبلية، في المغرب. مثلما فعلت حيواناتٌ برّية أخرى في مدن العالم، حتى الدّببة دخلت المدن، لتفقّد البشر، هذه الكائنات العنيفة، التي غابت فجأة. معظمُ ساكنة الأرض دخلت بيوتها بعقول وقلوب صاحية تمامًا، حتّى يأخذ الفيروس بعضه ويغادر. هكذا صار البشر خلف الجدران، بينما الفيروس يركض في الشّوارع متحدّيًا، ومثل السُّجناء الذين يضعون خطًا على الجدران الإسمنية، مقابل كل يوم يمرّ، وكلّهم خوف من أن تنفد الأيام، ولا تنفد الجدران. تتعلق القلوب بأنباء تذوب بسرعة، عن لقاح أو دواء، سرعان ما يثبُت أنّه سراب لا غير. لتجرُؤ التكهنات على أن تؤرخ عمر هذا الكابوس بالسّنوات. 2 نساءٌ بلا مساحيق، وبلا إحساس بالذّنب بسبب ذلك. نساء لم يعد أحمر الشّفاه مهمًا لهن، أو  

"الآيلاينر"، أو الكحل أو "الفونديشن". لم تَعد عيوب البشرة تزعجهن، ولا شحوب الوجه، ولا ذبول العينين ولا جفاف الشّفاه. نساء عُدن إلى الحياة كما وُلدن، وكما كانت أمهاتهنّ يعشن: اليوم بيومه. وبالوجه الذي رافقهنّ إلى الحياة، بكلّ ما ارتسم عليه من آثار اليوم بيومه. ورغم احتفاظ البعض منهن بعادة صباغة الحواجب، مع أنها تشبه شوارب صناعية. في غياب أيّ أثر لماكياج يخفّف سواد الحواجب الحاسمة في استدارتها. لكنهنّ راضياتٌ مع ذلك، لأنّ هذه الحواجب المرفوعة تُشعرهن بالخفّة، وتمنعُ وجوههن من العبوس بملامح ممحوّة. حتى الشّيب لم يعد مزعجًا، ولا يُظهرهن أكبر.. ليس سوى طفرة طبيعية حميدة، وهن يعِشن مع الطّفرة غير الطبيعية، مع فيروس خبيث جمّد حركة الكوكب، فلا لوم عليهن. ربما في مكانٍ ما، تضعُ امرأة أحمر الشفاه كلّ يوم، ولا تبدو لها ألوان "المانيكير" بالغة البهرجة، والتفاهة في وضعها الحالي. وستكون فريدة في ذلك؛ فجلّ النساء، استغنين عن الألوان. ولأوّل مرة بعضهنّ سعيدات بالحياة على ما هنّ عليه، والنّجاة إلى ما بعد الفيروس. حينها ستعود كثيرات إلى الماكياج، لكنهن سيقفن طويلًا أمام المرآة متسائلات: هل هذا ضروري فعلًا؟ ألسن جميلاتٍ كما هنّ؟ أليس الجمال الاصطناعي بالغ الرُّخص؟ 3 لماذا فاق عدد الرّجال الذين ماتوا بسبب كورونا ضِعفي عدد النساء في إحصاءات رسمية من دول العالم؟ هذا يعني إما أنّ مناعة النساء أقوى، أو أنّهن أكثر حرصًا. في معظم شوارع الضفّة الجنوبية من الأرض. بعد إعلان حظر التجول، لن تجد سوى بعض الرّجال الذين أعادوا إلى الفضاء العام ذكوريته؛ رجالٌ ضائعون سارحون، غير مصدّقين ما يحدث، يتجوّلون طوال النّهار، وبعضًا من الليل. من دون اتخاذ أيّ احتياط، عندما يدخلون إلى بيوتهم، غالبًا لا يغسلون أيديهم، وإذا فعلوا فهم يدخلون الغرف، ويستلقون في الصالون، أو على السّرير بالملابس نفسها التي خرجوا بها. هم الفئة الشاردة من المجتمع، يصعب عليهم أن يتأقلموا مع التغيير. وغالبًا إذا أصابتهم عدوى الفيروس سيفزعون أكثر من غيرهم، لأنهم عاشوا في حالة نكران ما يحدث حولهم. وغالبًا ما تتدهور حالتهم لأنهم ينهزمون بسرعة. ولا فائدة من انتظار تغيير في ذهنياتهم، حتى لو ساء الوضع أكثر. فيما لن تجد النساء، معظم الأحيان، إلّا في الأسواق، ومحلات البقالة، أو عند "العشابة". وعادة ما يكنّ من الأمهات في أواسط العمر، يستعددن لشهر رمضان كالعادة بتخزين "الزنجلان" (السمسم) و"النافع" (اليانسون)، ويحاولن التصرّف كأنّ لا شيء يحدث، هن أيضًا لا يستطعن تقبّل الوضع الجديد، لذا يتظاهرن بأن الحياة تستمر. يتزاحمن عند الأبواب، فهنّ دائمًا على عجلة. ومع ذلك، عندما يصلن إلى البيت، سيغسلن أيديهن، ويعلّقن الجلباب عند الباب، مردّدات: الله يحفظنا. هن لا ينكرن خطر الوباء، لكن لا يمكنهن تغيير عاداتهن. وإلا ماذا سيفعلن؟ ليس في أيديهن سوى الحيرة، وهي عادة الهامش الذي يعشن فيه، إلى جانب الرجال. لا أحد منهم مهمّ، فكيف يحرصون على حيواتهم بهذا الشكل المطلوب منهم، ولم يحدث أن كانوا يومًا مهمّين. 4 تشاهدُ الإحصاءات؛ أرقام الموتى والمصابين، التوقّعات القاتمة، قلَّة الإمكانات، قصص الذين ماتوا  

وحدهم. أطباء وممرضون أُصيبوا على الرغم من الاحتياطات، مشاهير من شدة الاحتياط يعيشون في فقاعات هواءٍ، زعماء دول كبرى بالِغو الغطرسة أذلّهم الفيروس. لا تخرجُ إلا لغرض ضروري، فتجدُ أن الأسواق مزدحمة، ولا أثر لحالة الطوارئ المفترضة. تشعر حينها بالفيروس يُدغدغ أصابع قدميك، ويبدأ زحفه من هناك على كامل جسدك. ينتفخ حلقك حتى تكاد تختنق، وتبدأ رحلتك النّفسية في التطهّر قبل الرحيل، وتأسفُ لأنك مريضٌ في المكان الخطأ، وغالبًا في الزمان الخطأ أيضًا. تتوقّف عن فعل أيّ شيء، فما الفائدة إذا كنت ستغادر بعد قليل؟ تتوقف عن مشاهدة أيّ شيء يتعلق بالوباء، لا تخرج، ولا ترى الذين خرجوا. بالكاد تتسلّل إليك أرقام ما. تشعر بأنك في كوكب آخر، أو على سفينة نوح، أو سحابة ما، لن يقترب منك فيروس. وما دام الموتى بالآلاف وسط هذه المليارات من البشر، فالأمر ليس دراميًا جدًا - كما تحاول إقناع نفسك - مقابل كل هؤلاء المواليد الجدد، الذين تستقبلهم الأرض. تحاول أن تستغلّ وقتك، لتفخر بنفسك بعد مرور كل هذا، لكي تخرج رابحًا ما أمكن من هذه الأزمة. ثمّ، يعاجلك أحدهم بالأرقام، وتعود سيرتك الأولى. 5 نحن في صدمة، هذا أقلّ ما يمكن أن نصف به حالنا مع ما يحدث. الخوف على الوالدين والأقربين. الخوف من خروج الأمر عن السّيطرة. الخوف من المجهول. الخوف من أن نفقد القدرة على التحكّم في ما نفعله في حياتنا؛ وأن تكون هذه هي النّهاية التي لم يجهز لها أحد. خائفون ومصدومون؛ هذه حال معظمنا. لكن كلٌ يصرّف خوفه بطريقته. وهناك مرحلة ما سنصل إليها، وسيكون الخوف قد تلاشى. عندها سندخلُ حالة من التخدير الشعوري، التي نُجبر فيها على التصرّف بسرعة وحسم، ونؤجّل البكاء، إلى ما بعد كل شيء.. حينها إذا نجونا، سنحكي ما حدث كتسونامي ينفجر دُفعة واحدة. وكلّ هذه الأيام والأشهر ستكون مثل دقائق الكارثة، التي لم يكن لنا ما نفعله فيها سوى الرّكض، ومن ابتلعه الماء فقد ابتلعه. النّاجون سيولدون من جديد، وعلى الرغم من عمق المأساة سيختارون المُضي قدمًا. لن يقضوا لحظة واحدة في استرجاع الكارثة، أو في التساؤل: كيف فشلت الدُّول في حماية الشعوب؟ وكيف سرق الوباء أحبتهم؟